ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

225

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ إلى قوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 1 ) فالرجاء الأول يقمع القنوط المانع من التوبة والرجاء الثاني يقمع الفتور المانع من النشاط والتشمير فكل توقع حث على توبة وعلى تشمير في العبادة فهو رجاء وكل توقع أوجب فتورا في العبادة وركونا إلى البطالة فهو غرة كما إذا خطر له أن يترك الذنب ويشتغل بالعمل فيقول له الشيطان ما لك وإيذاء نفسك وتعذيبها ولك رب كريم غفور رحيم فيفتر به عن التوبة والعبادة وهي الغرة بعينها . فعند هذا واجب على العبد أن يستعمل الخوف فيخوف نفسه بغضب الله وعظيم عقابه ويقول مع أنه غافر الذنب شديد العقاب ومع أنه كريم خلد الكفار في النار أبد الآباد مع أنه لم يضره كفرهم بل سلط الله العذاب والمحن والأمراض والعلل والفقر على جملة من عباده في الدنيا وهو قادر على إزالتها فمن هذه سنته في عباده وقد خوفني عقابه كيف لا أخافه وكيف أغتر به فالخوف والرجاء قائدان وسائقان يبعثان على العمل فما لا يبعث على العمل فهو تمنى وغرور . وقد أخبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وذكر أن الغرور سيغلب على آخر هذه الأمة وقد كان فيما وعد به صلّى الله عليه وآله وسلّم ( 2 ) فقد كان الناس في الأعصار الأول يواظبون على العبادات ويؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة وهم طول الليل والنهار في طاعة الله يبالغون في التقوى والحذر من الشهوات ويبكون على أنفسهم في الخلوات وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين مطمئنين غير خائفين على أنفسهم مع إكبابهم على المعاصي وانهماكهم على الدنيا وإعراضهم عن الله زاعمون أنهم واثقون بكرم الله وفضله وراجون لعفوه ومغفرته كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من كرم الله وفضله ما لم يعرفه الأنبياء والأولياء والسلف الصالحون كان هذا الأمر ينال بالمنى ويدرك بالهوى فعلى ما ذا كان بكاء أولئك وخوفهم وحزنهم . وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يأتي على الناس زمان يخلق القرآن في قلوب الرجال كما تخلق الثياب على الأبدان والقرآن كله من أوله إلى آخره تحذير وتخويف

--> ( 1 ) الآيات ابتداء سورة المؤمنون . ( 2 ) الظاهر أن هنا سقط ليكون خبر كان أي « صادقا » .